اليمن : مرحلة صناعة الانشقاقات
:نشر الساعة 11:49 م بتاريخ 2008/02/16 الكاتب: طائر حر
اليمن : مرحلة صناعة الانشقاقات
*كتب/ رداد السلامي
برزت في المرحلة الراهنة توجهات جديدة قديمة يمكن أن يطلق عليها مرحلة صناعة الانشقاقات وهي مرحلة دشنها المؤتمر عقب موت الشيخ الأحمر وتحت قبة البرلمان مستغلا هاجس الإحساس لديه بأن منافسة الأقوى "الإصلاح" أضحى ضعيفا ويمكن بالتالي هزه من خلال إجراءات تسهل تفكيكه وتجزئته إلى وحدات صغيرة قابلة للذوبان والبلع .
يركز المؤتمر الحاكم على هدفين رئيسيين الأول: فكفكه الإصلاح بوصفه الأقوى في صفوف المعارضة ويلوح بأنه البديل القادم والثاني: فكفكه المشترك من خلال تصدير أزمات إلى أعماقه مستغلا وجود تيار متشدد فيه قابل للاستهواء وجعله يخوض حروبا جانبية بفعل قابلية حساسة لدية تجعله في حالة انبعاث دائم وتكمن فيها إثارته وهي قضايا التفلت الأخلاقي أو ما يطلق عليه بالانحلال عبر وسائل الإعلام ، صحيفة المستقلة التي يرأس تحريرها البرلماني والناشط الحقوقي أحمد سيف حاشد هي الطعم الدسم التي عمل من خلالها الحاكم استدراج هذا التيار باتجاه خوض صراعا داخل أروقة البرلمان هدف من خلالها نقل صورة سيئة عن الحزبين" الإصلاح والاشتراكي " الذين يبدوان أنهما سيخوضان الانتخابات البرلمانية القادمة يقوة ضد المؤتمر .. كما تحمل هذه الحركة المؤتمرية بحسب البعض هدفين آخرين أيضا الهدف الأول :نقل رسالة إيحائية إلى المواطن أن الإصلاح والاشتراكي مختلفين ويخوضان حروبا وصراعات على مشاكل تافهة فيما يعاني هو من لهيب الأسعار الذي لم يستطيعوا إيقاف تناميه..!! والهدف الثاني أن هذه الأحزاب لن تكون بديلا وطنيا حقيقيا وإن رفعت الشعارات فهي مختلفة فيما بينها وستتقاتل على السلطة إن وصلت إليها وبالتالي فإن يريد إيصال رسالها مفادها أن الحل الوسط هو أن يظل المؤتمر هو الحاكم كخيار لابد منه حتى يتم أنتاج بديل آخر بدلا من الانجرار إلى صراعات تجعل اليمن صومال آخر.!!
هذه الرسائل الإيحائية الخطيرة لا يدرك المشترك مدى خطورتها وكيف يشكل المؤتمر صورة نمطية سيئة عنه في ذهن المواطن الغلبان الذي كان الأمن والاستقرار أحد أولوياته حينما توعد الرئيس ووسائل إعلامه البلاد بمصير صومال جديدة إن هو اختار مرشح المشترك .
فلدى حزب الحاكم توجها جادا باتجاه إضعاف هذه الأحزاب وعزلها عن الساحة الجماهيرية من خلال إشغالها ببعضها وفكفكة صفوفها وتكتلها ..كما أن قدرته على احتواء الحراك الشعبي في المناطق الجنوبية مؤقتا سهل له ذلك وكان خطأ بعض الأحزاب المعارضة أنها انجرت بدون وعي إلى صف صالح الذي
أوهم هذه الأحزاب أن الحراك الجنوبي له نوايا انفصالية مما جعلها تساهم معه في تخفيف قوة هذا الحراك
كأحد أبرز مراكز القوى في البلاد ومدخلا حقيقيا للإصلاح الوطني الشامل ولم تستطع استثمار الأحداث إلى صالحها .
اختيار شخصيات نيابية أمرا يحرك التساؤلات حول ذلك الاختيار الذكي ؟ خصوصا وان البلاد قادمة على انتخابات برلمانية . الوطن بحاجة إلى أحزاب تؤدي وظيفتها السياسية بكفاءة عالية إذا لاينبغي أن نسمح لقلة متنفذة بعد أن انسجمت مع بعضها في نهب جميع موارد البلاد ومواقعها الحساسة أن تكون لنفسها مجتمعا خاصا بها. وتكاد تنفصل تماما عن نسيج المجتمع وتتربح أكثر وأكثر بآلامه.. تقهره وتحاربه أحيانا أخرى. إن استحضار ثقافة سياسية جديدة وتطويرها وتنويعها والإبداع فيها أمر ضروري لأننا نعيش في الوقت الراهن مرحلة مخاض سياسي غائم وعائم أفرزت هذه المرحلة ساحة تفاعل بين متناقضات جديدة عميقة على الطريق نحو طور نوعي جديد لم نستوعبه بعد. فسبيلنا الوحيد هو خلق تضامن وطني وتعاون جماعي في ظل من الشفافية لبناء مجتمع سليم ينتفي فيه طغيان أحد على آخر. ويقتضي كذلك العمل على صوغ فكر سياسي هدفه بناء عقول يكون أساس تفكيرها مرونة وانفتاحًا على الآخر وشفافية وقدرة على فهم التحديات مع الإيمان بمشروعية التنوع والاختلاف على صعيد فردي وجماعي. مما يهيئ أساسًا لوعي شمولي يسمح بحضور عقل منفتح ومتفتح. يساهم في بناء واقع جديد أو ثورة فكرية لعقل جديد غير منغلق على ذاته.. بل عقل يسع الكون برحابته تأسيسًا على تفكير عملي وعقلانية نقدية. يجدر بأحزابنا السياسية ومثقفينا ونخبنا صياغة هذا الفكر بدلا من أن يظل مجاله مساحة صامتة ..علما أن الثقافة السياسية الملتزمة تنبذ الهروب إلى الماضي والاستسلام لحتمية المأساة والتعامل مع الحاضر كمحطة انتظار يائس كل هذه مجرد مظاهر للوعي السلبي
نصيحة للمشترك
التغيير والاصلاح السياسي الذي ننشده لن يهبط علينا كهبة من السماء، إذ لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. أن التغيير المنشود لن يكون إلا ثمرة نضالات وتضحيات.. وخاسر من يراهن على أن السلطة يمكن أن تمطرنا يوما بحريات أو حقوق أو أمن او استقرار.
كما إن التغيير الجذري المنشود مهمة لن تقوى على تحقيقها قوة سياسية منفردة أو حزب سياسي واحد. إنها مهمة كل القوى السياسية في البلاد، ونضال هذه القوى المشترك في سبيل تحقيق الهدف المشترك يتطلب منها الاصطفاف داخل إطار نضالي مشترك وما اللقاء المشترك إلا الصيغة الوطنية الرائعة لهذا الاصطفاف الواعي .والكل أجمع على ضرورته وأهميته. ومطلب الإصلاح السياسي الجذري الشامل قادر على خلق أرضية مشتركة صالحة لصناعة التغيير
و هذا التغيير لن يتحقق بالنضال"النخبوي" الفوقي الذي يخاض بالخطب الملقاة داخل القاعات المغلقة والمقرات ومانشيتات الصحف . إن معركة التغيير والتحول نحو الأفضل وتفكيك شبكة النفوذ المستعصية لهذا النظام وإنقاذ البلاد من خطر التفكك واستشراء فيروسات زعزعة النسيج الاجتماعي تمهيدا لما هو آت ومخيف والذي تلوح نذره في كل بقعة من أرض الوطن لن يحسم إلا بالحضور في قلب الشارع اليمني ، ولن ينجح النضال ما لم يجذب إلى ساحته المواطن العادي غير المسيس الذي يجب أن يعي أن تغييب الديمقراطية وممارسة القمع وحربنة الحياة الوطنية يحرمه من وسائل الدفاع عن حقه في حياة أفضل والذود عن حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
على المشترك أن لايتيح لبعض الشخصيات المحسوبة عليه نقل قواه إلى فخ استدراجات تنازلية أو تبعية أو تحقيق أهداف تفكيكه مدفوعة الثمن وتلوين المواقف بالصورة الرمادية ولذلك يجب تحاشي خلط المواقف وطمس الخطوط الفاصلة بين الأسود والأبيض وذلك بالاحتكام إلى معيار موضوعي فارز يحدد القوى المؤهلة للنضال المشترك في سبيل الغد الوطني الأجمل . والمعيار الموضوعي الصحيح هو تحديد موقف واضح لكل قوة سياسية من مواقف هؤلاء الرموز الذين يجدون ذواتهم مندسين في أحضان السلطة بين دهشة وضحاها
في جنوب الوطن هناك بعض من دفعتهم ممارسات النظام لتبني اتجاه مضاد للوحدة ..ووسيلة المشترك لفرملة هذه التوجهات هو الحضور معها في قلب الشارع واحترامها وتبيين وجهات النظر الوطنية حتى نصل إلى الحقيقة ونكسب هذا الصوت المضاد الى صف النضال الموحد في إطارات وطنية وحدوية سلمية خالصة.
الوطن اليوم يقف علي مفترق الطرق .. بين إرادات دولية ومطامع أفراد وقوي "تقليدية" ولا ندري كيف ستكون طبيعة غدنا.. لكن الإيمان بحكمة الشعب وقواه السياسية الوطنية الحية يدعو للاطمئنان بأن هذه العواصف ستمر بهدوء وأن مسيرة التغيير والإصلاح المنشود ستستمر ويبقى الوطن حرا وموحدا.
*كاتب وصحفي
|